
دراسة تحليلية … بقلم: طارق حـداد - الرأي 9/11/2007
رحلة السينما
من السليلويد إلى الديجيتال
" من المستحيل تصور أي شيء تراه العين أو تسمعه الأذن سواء في الواقع أو الخيال، لا يمكن أن يعرض في مجال الفيلم، من القطبين حتى خط الاستواء، ومن الوادي العظيم إلى أدق شرخ في قطعة من الصلب، ومن صفير رصاصة مارقة إلى النمو البطيء لزهرة، ومن التماعة فكر عبر وجه جامد تقريبا إلى تخريفات الهوس من مجنون، ولا توجد نقطة في المكان، ولا درجة من ضخامة الحجم أو سرعة الحركة يحيط بها علم الإنسان، ليست في متناول الفيلم "
من كتاب: أرنست لندجرين (فن الفيلم)..

تطورٌ سريع شهدهُ عمر السينما القصير مقارنة مع الفنون الأخرى، فمنذ عام 1895 وحتى الآن والسينما في تطور هرمي وأفقي متسارع وأبرز هذه التطورات بعد إستقرار هذا الفن وإكتمال أدواته هو انتقاله من السليلويد إلى عصر الديجيتال، ومرد هذا التطور هو السؤال الإشكالي الذي لازم سنوات التطور السينمائي بتحديد ماهية السينما هل هي آلة أم فن؟
بعجالة سريعة على تاريخ تطور الآلة السينمائية وبالتالي تطور الفن السينما. نتوقف عند بداية البداية، البداية الأسبق لفكرة (الشعاع والحركة) وبحسب جيوفاني باتستا دي لابورتا في كتابه السحر الطبيعي Natural Magic عام 1558، ذكر جيوفاني ما دونه الفنان والمهندس والعالم الإيطالي ليوناردو دافنشي في ملاحظاته" أن الإنسان إذا جلس في حجرة تامة الظلام، بينما الشمس ساطعة خارج الحجرة، وكان في أحد جوانب جدران الغرفة ثقب صغير جدًا بحجم رأس الدبوس، فإن الجالس في الحجرة المظلمة، يمكنه أن يرى على الحائط المواجه لجدار الثقب الصغير ظلالاً أو خيالات لما هو خارج الحجرة، مثل الأشجار، أو العربات، أو إنسان يعبر الطريق نتيجة شعاع من الضوء ينفذ من الثقب الصغير".
والمتوقف عند حساسية الملاحِظ والملاحَظ يعي تماماً أن ما من فكرة استحقت لفت نظر الإنسان إلا واحتاجت لتنفيذ تفاصيلها واحتاج هو لفك لغزها، لكونه دائم البحث عن المعرفة والاستكشاف. ملاحظة سقوط التفاحة عند نيوتن قادته للتفكير والبحث والتطبيق، وإن لم يستمر دافنشي كما نيوتن إلا أن آخرون لاحظوا وجربوا وأنتجوا البذور الأولى للصناعة السينمائية فكان ميلادها يفجر عام 1895 ليكون عام مولد الفن السابع.
وجدت الصناعة السينمائية نتيجة للجمع بين ثلاثة مخترعات سابقة لها وهي: اللعبة البصرية، والفانوس السحري، والتصوير الفوتوغرافي، فكان تاريخ 13 فبراير من عام 1895 في فرنسا هو تاريخ تسجيل اختراع إلتقاط وعرض الصور المتحركة على الشاشة لأول مره على يد الأخويين أوجست ولويس لوميير، وكان تاريخ 28 ديسمبر من نفس العام تاريخ مشاهدة الجمهور لأول عرض سينماتوغرافي في قبو Grand Café بمدينة باريس، ثم ما لبث آرمان وجينكينز، أن تمكنا من اختراع جهاز أفضل للعرض، استخدماه في تقديم أول عرض لهما في سبتمبر من السنة نفسها- الأمر الذي حدا بتوماس أديسون لدعوتهما للانضمام إلى الشركة التي كان قد أسسها لاستغلال الـ Kinetoscope. وفي العام التالي تمكن إديسون من صنع جهاز للعرض يجمع بين مزايا الجهازين، وأقام أول عرض عام له في أبريل 1896 فلقي نجاحاً كبيراً.
وفي عصر الريادة حقق الفرنسي جورج ميلييه أول دراما روائية في فيلم رحلة إلى القمرATriptotheMoon عام 1902 واشتمل على أول خدعة سينمائية، وبورتر صاحب فكرة المونتاج المتوازي وأولى بذور الحدث الاكشن، وجريفث صاحب فكرة تحرر الكاميرا من المشهدية المسرحية وما أسسه من قواعد للقطع السينمائي (المونتاج). كما وضمت هذه المرحلة إسماً شهيراً في عالم السينما وهو شارلي شابلن، وبدأت مسألة نوعية وجودة الفيلم في هذه المرحلة تثير جدلاً وتبعها تصنيع أنواع مختلفة من الأفلام.
لم تكن السينما صامته بل إنها لم تصل آنذاك إلى إمكانية إدخال الحوار والمؤثرات والموسيقى إلى فن صناعة الفيلم، وقد أستعيض عن ذلك بمصاحبة عروض الأفلام تلك بنوع من الموسيقى تعزف بإستخدام البيانو والأورغن المسمى "فريليتزر الجبار"، ففي مسارح المدن الكبرى كانت فرق كاملة للأوركسترا تهيئ الجو اللازم كخلفية للمرئيات. ظل ذلك تقليداً سينمائياً حتى حلّ عام 1927 العام الذي أنتج فيه أول فيلم ناطق بتاريخ السينما بعنوان "مغني الجاز" من إخراج الآن كروسلاند، إلا أن الكاميرا بقيت مقيدة في موقع واحد، فقد كانت الإمكانيات التقنية تتطلب تسجيل الصوت والصورة في وقت واحد ولم يكن الممثل يستطيع الابتعاد عن اللاقطة (الكاميرا).
وما أن حلّت بداية الثلاثينات حتى بدأ إضافة الصوت ينهي عمل الكثير من الممثلين الكبار وأستطاع شابلن وحده أن يتجاوز هذا التبدل. ففي طرفة من طرف تاريخ السينما حارب شابلن في فيلم (الأزمنة الحديثة عام 1963) حرباً دونكوشوتية ومفرطة بالذكاء والعناد بنفس الوقت، وفيه ينتقد شابلن عدم أهمية اللغة المنطوقة بصلف متعالٍ من خلال دراما أحداث الفيلم إذ أنه من المفترض أن يقوم بغناء أغنية لإنقاذ موقف في نادٍ ليلي لكنه لا يستطيع أن يتذكر أبياتها، وفي حالة يأس يرتجل بعض الكلمات الأجنبية الغامضة في حين يقوم بتمثيل صامت يوحي بمغزى الأغنية، محاولة منه ولإيمانه كما الكثيرين أيضاً بأن التمثيل الصامت هو جوهر السينما.
بعد 35 سنة فقط شهدت أفلام الثلاثينيات استخداماً أكثر للألوان، وبدأ فن الرسوم المتحركة، كما وبرز وانتشر مفهوم النجم السينمائي مثل Clark Gable، JohnFord، وبالرغم من بدائية التقنية المستخدمة في صناعة، لكنها بهرت العديد من رواد السينما وانعكس ذلك أيضاً على الجماهيرية السينمائية. وازدادت أهميتها مع ظهور جوائز الأوسكار،
كان عام 1941 من العصر الذهبي للسينما، عاماً مفصلياً، إذ أنه العام الذي ظهر فيه فيلم أورسون ويلز (المواطن كين)، حقق ألمعيه في كل لقطة تقريباً وتميز بمجرى صوتي مركب إلى درجة أن العالم فغر فاه عجبا. فقد برهن ويلز أن لكل نوع من المرئيات مقابلاً صوتياً حتى داخل الإطار الواحد "الكادر".ويرجع ذلك إلى خبرة ويلز في عالم الإذاعة.ويسجل هذا العمل أول إستخدام ٍ لعدسات ذات بعد محرقي قصير جداً وكان السبق للمصور غريغ تولاند كي. فباستخدام العدسة تلك تم الحصول على صورة نقية صافية لجسم على بعد نصف متر بقدر نقاء صورة الخلفية للشخص ذاته. ومن بين أولئك المنظرين ينبغي أن نفي بازان حقه في أنه كان الأول في فهم قيمة الحقل الشامل.
أخذت الكاميرا بالحركة عام 1924 في فيلم: آخر الرجال لـ مورنو، حيث أخذت بالتنقل وسط وبين الشخصيات، ولكنها لم تمتلك عنصر الجمال والانسيابية إلى عام 1930 بفضل الرافعة، فخرجت الحركة عن وصفيتها لتكتسب شيئا فشيئا دلالتها النفسية، ووظيفتها في بناء المساحات الدرامية بين الأماكن والشخصيات والشخصيات ببعضها.
فحركة الكاميرا ما هي إلا معادلاتلتعابير وإنفعالات حسية للشخصيات وجملة بصرية لحركة العين والوجه معاً طلباً للرؤية: إلى اليسار، إلى اليمين، الأعلى، الأسفل. فأنت تقترب بعينيك عند إتساع حدقتهما وبوجهك لحظة الاهتمام، وتبتعد في الحالة المعاكسة. أما الحركة الرجوعية الذاتية فهي تعبيراً عن الخوف أو الدهشة وإن كانت موضوعية فهي تتيح إكتشاف شيء غير متوقع. وما هي زاويا الكاميرا إلا معادلات ضرورتها هو المعطى الدرامي والفني لعلاقة الأشياء أو الشخوص ببعضها " فكل لقطة تفترض زاوية تصوير وحيدة – تستجيب لضرورة داخلية، وهي ما تتطلبه هذه اللحظة دراميا لتعميق الشخصية أو اللحظة الدرامية، لأن الضرورة في الفن قانون في التعبير. فليس خلو الفيلم من خطأ تقني يعني جودته أبداً، تماماً كما لا يمكن
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ